الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
157
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فإذا أخبر عن الإنسان بشدة تلبسه ببعض النقائص وجعل ذلك في قالب أنه جبل عليه فالمقصود من ذلك : إلقاء تبعة ذلك عليه لأنه فرط في إراضة نفسه على ما فيها من جبلة الخير ، وأرخى لها العنان إلى غاية الشر ، وفرط في نصائح الشرائع والحكماء . وإذا أسند ما يأتيه الإنسان من الخير إلى اللّه تعالى فالمقصود : التنبيه إلى نعمة اللّه عليه بخلق القوة الجالبة للخير فيه ، ونعمة إرشاده وإيقاظه إلى الحق ، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [ النساء : 79 ] عقب قوله : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [ النساء : 78 ] . وفي هذا المجال زلت أفهام المعتزلة ، وحلكت عليهم الأجواء ، ففكروا وقدّروا ، وما استطاعوا مخلصا وما قدروا . واعلم أن كلمة ( خلق الإنسان ) إذا تعلق بها ما ليس من المواد مثل إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [ الإنسان : 2 ] بل كان من الأخلاق والغرائز قد يعنى بها التنبيه على جبلة الإنسان وأنها تسرع إلى الاعتلاق بمشاعره عند تصرفاته تعريضا بذلك لوجوب الحذر من غوائلها نحو خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [ الأنبياء : 37 ] إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ، وقد ترد للعذر والرفق نحو قوله : يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [ النساء : 28 ] ، وقد ترد لبيان أصل ما فطر عليه الإنسان وما طرأ عليه من سوء تصرفه في أفعاله كما في قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [ التين : 4 - 5 ] فعل الخلق من كذا مستعار لكثرة الملابسة . قال عروة بن أذينة : إن التي زعمت فؤادك ملّها * خلقت هواك كما خلقت هوّى لها أراد إبطال أن يكون ملّها بحجة أنها خلقت حبيبة له كما خلق محبوبها ، أي إن محبته إياها لا تنفك عنه . والهلع : صفة غير محمودة ، فوصف الإنسان هنا بها لوم عليه في تقصيره عن التخلق بدفع آثارها ، ولذلك ذيل به قوله : وَجَمَعَ فَأَوْعى [ المعارج : 18 ] على كلا معنييه . وانتصب جَزُوعاً على الحال من الضمير المستتر في هَلُوعاً ، أو على البدل بدل اشتمال لأن حال الهلع يشتمل على الجزع عند مس الشر . وقوله : مَنُوعاً عطف على جَزُوعاً ، أي خلق هلوعا في حال كونه جزوعا إذا مسه الشر ، ومنوعا إذا مسه الخير .